ابن خلكان
284
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
البلاد وقد شرحت الواقعة في ترجمة والده فلا حاجة إلى الإعادة فلما وصل إلى البلاد وجد بعض أعمامه وهو قاروت بك صاحب كرمان قد خرج عليه فعاجله وتصافا بالقرب من همذان فنصره الله عليه وانهزم عمه فتبعه بعض جند ملكشاه فأسروه وحملوه إلى ملكشاه فبذل التوبة ورضي بالاعتقال وأن لا يقتل فلم يجبه ملكشاه إلى ذلك فأنفذ له خريطة مملوءة من كتب أمرائه وأنهم حملوه على الخروج عن طاعته وحسنوا له ذلك فدعا السلطان بالوزير نظام الملك فأعطاه الخريطة ليفتحها ويقرأ ما فيها فلم يفتحها وكان هناك كانون نار فرمى الخريطة فيه فاحترقت الكتب فسكنت قلوب العساكر وأمنوا ووطنوا أنفسهم على الخدمة بعد أن كانوا قد خافوا من الخريطة لأن أكثرهم كان قد كاتبه وكان ذلك سبب ثبات قدم ملكشاه في السلطنة وكانت هذه معدودة في جميل آراء نظام الملك ثم إن ملكشاه أمر بقتل عمه فخنق بوتر قوسه واستقرت القواعد للسلطان وفتح البلاد واتسعت عليه المملكة وملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام بعد الخلفاء المتقدمين فكان في مملكته جميع بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وباب الأبواب والروم وديار بكر والجزيرة والشام وخطب له على جميع منابر الإسلام سوى بلاد المغرب فإنه ملك من كاشغر وهي مدينة في أقصى بلاد الترك إلى بيت المقدس طولا ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر وبحر الهند عرضا وكان قد قدر لممالكه ملك الدينا وكان من أحسن الملوك سيرة حتى كان يلقب بالسلطان العادل وكان منصورا في الحروب ومغرما بالعمائر فحفر كثيرا من الأنهار وعمر على كثير من البلدان الأسوار وأنشأ في المفاوز رباطات وقناطر وهو الذي عمر جامع السلطان ببغداد ابتدأ بعمارته في المحرم من سنة خمس وثمانين وأربعمائة وزاد في دار السلطنة بها وصنع بطريق مكة مصانع وغرم عليها أموالا كثيرة خارجة عن الحصر وأبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد وكان لهجا بالصيد حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة